ومع اخر ضؤ ... وعندما اظلم المكان ... احسست بالدماء تجري مرة اخرى في عروقي وأنني استطيع تحريك يداي ..... اصابعي تتحرك ببطئ وكأنها اوراق نبتة خرجت لتوها من حبتها ... شئ ما يعوق حركة يدي التي تحركت مع الوقت لتنزع عنها وعن جسدي تلك اللفافات التي عرفتها من اول شرارة احساس فصندوقي الاسود لازال يمتلك تسجيلا واضحا لاحداث الحمس ساعات الاخيره .... اجل وبدون تفريغ كان كل شئ يدور آليا ... فقبيل ساعات قليله كنت في عملي الذي انتهيت منه مبكرا واخذت طريق العودة الى بيتي ... ولا ادري لماذا كنت متعجلا .. ومشتاقا الى فراشي .. وعلى ابواب البيت استقبلتني ابنتي الصغرى كعادتها بترحاب يزيل عن كاهلي متاعب وادران العمل .... دلفت لفوري الى غرفة امي كعادتي .. القيت عليها وعلى اختي وزوجتي وابنة اختي التحيه ... ثم دخلت الى غرفتي لابدل ملابسي واتوجه الى الحمام لاستعد لصلاة الظهر التي فاتتني صلاته في الطريق .... وبعد الصلاه سألتني زوجتي
{هل تتغدى الان}
فأجبتها
{ بعد شويه .. انا عاوز ارتاح }
{ انته حاسس بحاجه }
{ لا ... بس شوية ارهاق }
اطفأت المصباح واغلقت الباب وتركتني لانام ,
لا ادري هل غفوت ام لا ... فقط انتبهت على شهقاتي العاليه التي جمعت من بالمنزل جميعا .... كانت هذه الشهقات تأتيني على فترات متقطعه كل حوالي شهرين او ثلاث تقريبا .... احس حينها بان صدري مليء بالهواء ولكني لا استطيع اخراجه ولا املك ادخال هواء غيره ... في المرات السابقه لم تستمر هذه الشهقات اكثر من دقيقة ويعود كل شئ الى طبيعته ... اما هذه المره فاستمرت كثيرا حتى كادت عيناي تخرجان من مكانهما .... الجميع في حيره .... يتخبطون ... يهرولون الى خارج الغرفه ليدخلوها ثانية ... بعضهم يحمل ماء ... وبعضهم يأتيني بخل ... او كلونيا .. الجميع يريدوا ان يفعلوا شيئا لكنهم لا يعرفون .... توقفت الشهقات بعد شهقة عظيمه ارتخى بعدها جسدي وفقد معالم الحياه ... ارتسمت على وجهي نظرة بلهاء دون معنى .... اسرع اخي الاكبر بالضغط على على قفصي الصدري .... واسرع ابني لعمل قبلة الحياه ... لكن لا حياه ..... تحسست ابنتي اورده الرقبه بيدها المرتعشه تسبقها دموعها التي تساقطت على وجهي .... لم تحس نبضا ... قربوا مرآة من فمي فلم يتكثف شئ عليها ..... ليجأر من بالغرفة بالبكاء
اسرع اخي الاصغر الى التليفون ليستدعي الطبيب الذي لم يستغرق طويلا في الوصول ليعلن لهم الخبر اليقين ...... لقد رحل .... انا لله وانا اليه راجعون ..... لم يكونوا في حاجه لتوجيهي قبل القبله فلقد تعمدت ان اجعل فراشي قبلّها ..... اخرج اخي الجميع وآخرهم كانت امي التي لم يكن اخراجها سهلا ابدا
لا ادري كيف كنت ارى ما يحدث خارج الغرفه ..... الجميع في زهول ... ابنتي الصغرى تبكي تريد الدخول عندي لكنهم يمنعوها ....
{ عاوزه انام في حضن بابا }
فقط يمسكوها ولا يستطيعوا الاجابه
الجميع سكارى .... اخوتي ,,, امي ,,, اخواتي .. زوجتي .... اولادي ... ابناء اخوتي واخواتي ,,,, الجميع يبكي في صمت
تجمعت الوجوه التي اعرف والتي لا اعرف في انتظار الوداع ....دخل علىّ بعض الرجال وبرفق نزعوا عني ملابسي الا من سترة تستر عورتي ,,,, نظر لي احدهم ... سمعته يقول دون ان يفتح فمه ...
{ ح اغسلك زي ما قال الشريط اللي ادتهولي }
وكنت قبل سنوات قد اهديته شريط كاسيت عن الغسل والتكفين واوصيته ان يتبع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في غسل الموتى وتكفينهم ,,, بدأ الرجال عملهم سريعا وبرفق .... كان الماء حارا ... كدت اصرخ فيهم ... لولا ان قالها احدهم
{ بردوا الماء قليلا }
.... اتم الرجال مهمتهم تحت ناظري اخي الاكبر الذي صمم على الدخول وابداء بعض التوجيهات ... جاءوا بالكفن الابيض ليلفوه حول جسدي وتركوني وحدي بالغرفه ,,,,
هأنذا ارحل وانا مقصر في الكثير من امور ديني .... لكنى لم اجزع فرحمة ربي سبحانه تنتظرني
كم كنت اتمنى ان اترك لاولادي اسما كبيرا يتباهون به .... كم كنت اتمنى ان اترك لهم مالا كثيرا ليستعينوا به
على نوائب الدهر .... لكن عزائي أني اتركهم لله وانا متأكد انه لن يخزلهم ابدا
كم كنت اتمنى ان ارى جميع الاحبة قبل ان ارحل وخاصة توأمي ... حبي البعيد ... روحي التي تعيش في جسدين ...
كم كنت اتمنى ان اكون شيئا ولكن كله بامر الله
لم يتركوني مع افكاري كثيرا ... فتحوا الباب ... حملوني برفق الى حيث ينتظر النعش خارج البيت ... وضعوني فيه وغطوه بالاغطيه .... ثم حملوني وسط صيحات التهليل والتوحيد والاسترجاع
وعلى مسافة خمسمائة متر تقريبا كان مسجد القريه ... الذي ادخلوني فيه استعدادا لصلاة الجنازه بعد صلاة المغرب .... هذا المسجد الذي اشعر اني كنت اجافيه بعض الشئ ... فلم اكن اواظب على الصلاة فيه واكتفي بصلاتي في المنزل .....هاهم يتركوني خلفهم ويصلون المغرب ..... ثم يقدموني بجوار القبله ليكبروا تكبيرات الجنازة الاربع ... ثم يحملوني بنعشي الى مقطورة جرار زراعي يحوطني الكثير من ابناء القريه تنتشر حولنا الكثير من السيارات
كنت ارى الجميع ,,,,, واسمع الجميع ,,,, واكثر ما جذب انتباهي صوت فتى صغير يقول
{ سلم لي على صاحبك }
,,,, اواه يابن صديقي ... اتدري كم انا في شوق للقاء ذلك الصديق ... فأنا ان التقيته فقد نجوت ... فقد كان رحمه الله نقيا تقيا طاهرا – ولا ازكيه على الله - .... هل سألتقيه ... ام اني لست من اهل الجنه وساكون بعيدا عنه .....
وصل الركب سريعا الى المقابر التي كانت تبعد عنا حوالي سبعة كيلومترات
توقف الجمع امام المقبره التي بنيتها أنا ووضعت عليها شاهدا مكتوب عليه
|
بسم الله الرحمن الرحيم افحسبتم انما خلقناكم عبثا وانكم الينا لا ترجعون صدق الله العظيم |
تلك الآيه التي كان لها وقع الصدمه عندي في احد ايام العمل وكان الوقت ظهرا عندما رايتها مكتوبه على احد المقابر القريبه ... توقفت عندها كثيرا وكأني لم اقرأها ابدا .. وقررت وقتها ان اكتبها على قبري الذي وجدته جاهزا لا ستقبالي ... حملوني اليه ... ادخلوني فيه .... وانصرفوا
مع عودة الحركه الى يدي بدأت في اماطة اللثام عن وجهي والنظر حولي وسط الظلام الدامس الذي الفته عيناي بعد قليل
.... لم اكن خائفا او متعجلا الخروج
رفعت جسمي قليلا لاجلس وانزع عني الكفن واضعه نطاقا حول وسطي مع ترك جزء منه على كتفي ....
لم يكونوا قد احكموا اغلاق المقبرة بعد ... مددت يدي لانتزع بعض اللبنات التي سدوا بها باب قبري
كان الجميع قد انصرف ما عدا احد الشيوخ يقرأ بعض آيآت من القران الكريم .... عرفته ... ناديته باسمه ... وقف الرجل حائرا ,, ايصرخ .. ام يطلق ساقيه للريح ,,, ام يجيبني
شرحت له كل شئ
ذكرته باشياء كانت بيننا
اقترب الرجل من القبر بحذر ... رجوته ان ينزع عنه جلبابه ,, ويعطيني اياه ففعل دون نقاش .... خرجت بعد ان نفضت عني بعض الرمال التي علقت بي من القبر ,, اخذت من الشيخ كوفيته وتلثمت بها واخذت منه بعض الجنيهات القليله لادفعها اجرا للسيارة التي اقلتني الى بيتي حيث دخلته من الباب الخلفي ... توجهت مباشرة الى غرفتي والجميع في شغل عني ... جلست بعد ان بدلت ملابسي وسجدت لله شكرا ,,,, وانا لا اتخيل كيف سيكون حال الناس عندما يعرفون بعودتي ....
ومتى يا ترى تكون عودتي الأخرى
هل بعد يوم
ربما شهر
ربما سنه







said:

said:



said:






said:

said:
said:




















من مصر